الإثنين, 25 حزيران/يونيو 2018   الموافق لـ 12. شوال 1439

رسالة جديدة في مسألة العذر بالجهل

عدد المشاهدات: 3746 أضيفت بتاريخ: السبت, 23 آذار/مارس 2013. نشرت في: المقالات

رسالة

في

مسألة العذر بالجهل

لفضيلةالشيخ

عبدالله بن صالح العبيلان


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة على نبينا ورسولنا محمد وآله وصحبه وبعد :

اعلم رحمك الله أن ما وقع في هذه الأمة من الشرك بعد التوحيد هو عين ما وقع في الأمم قبلنا, قال تعالى:[وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ] {يوسف:106} , وقال تعالى:[كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآَخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ] {التوبة:69} , وقال تعالى:[أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ] {الحديد:16} , وقال تعالى:[بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاءِ وَآَبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ العُمُرُ أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الغَالِبُونَ] {الأنبياء:44} , وقال تعالى:[وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ العُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ] {القصص:45} , وقال تعالى:[يَا أَهْلَ الكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ] {المائدة:19} , فمن بقي منهم على دين الرسل فهو الموحد الناجي كما في الحديث الصحيحعَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ الْمُجَاشِعِىِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r قَالَ ذَاتَ يَوْمٍ فِى خُطْبَتِهِ [ أَلاَ إِنَّ رَبِّى أَمَرَنِى أَنْ أُعَلِّمَكُمْ مَا جَهِلْتُمْ مِمَّا عَلَّمَنِى يَوْمِى هَذَا كُلُّ مَالٍ نَحَلْتُهُ عَبْدًا حَلاَلٌ وَإِنِّى خَلَقْتُ عِبَادِى حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِى مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا وَإِنَّ اللَّهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ فَمَقَتَهُمْ عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ إِلاَّ بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ] , وقال تعالى:[فَلَوْلَا كَانَ مِنَ القُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ] {هود:116} . وأكثرهم أشركوا مع الله فلم يدينوا بالدين الذي بعث الله به رسله ,

قال ابن القيم:"ولكن أكثر الناس لا يشعرون بدخول الواقع تحته وتضمنه له ويظنونه في نوع وفي قوم قد خلوا من قبل ولم يعقبوا وارثا وهذا هو الذي يحول بين القلب وبين فهم القرآن ولعمر الله إن كان أولئك قد خلوا فقد ورثهم من هو مثلهم أو شر منهم أو دونهم وتناول القرآن لهم كتناوله لأولئك ولكن الأمر كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:(( إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية )) , وهذا لأنه إذا لم يعرف الجاهلية والشرك وما عابه القرآن وذمه : وقع فيه وأقره ودعا إليه وصوبه وحسنه وهو لا يعرف : أنه هو الذي كان عليه أهل الجاهلية أو نظيره أو شر منه أو دونه فينقض بذلك عرى الإسلام عن قلبه ويعود المعروف منكرا والمنكر معروفا والبدعة سنة والسنة بدعة ويكفر الرجل بمحض الإيمان وتجريد التوحيد ويبدع بتجريد متابعة الرسول ومفارقة الأهواء والبدع ومن له بصيرة وقلب حي يرى ذلك عيانا والله المستعان " أ.هـ انظر مدارج السالكين:(1 / 344) .

قال تعالى:[وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ] {البقرة:135} , وقال تعالى:[وَلَا تَكُونُوا مِنَ المُشْرِكِينَ*مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ] {الرُّوم:31-32} ,وقال تعالى:[لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ المَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ] {المائدة:72} , وقال تعالى: [سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ] {الأنعام:148} , وقال تعالى:[وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا البَلَاغُ المُبِينُ] {النحل:35}, وعن ثوبان t قال: قال رسول الله r:[ لا تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين وحتى تعبد قبائل من أمتي الأوثان ] رواه احمد وأبو داود والترمذي وإسناده صحيح .

إلا أن الفرق بين هذه الأمة والأمم التي قبلها أن الله لم يكل حفظ دينها لأحد بل تكفل بحفظه لأنه الدين الخاتم الذي به تقوم الحجة على العباد , قال تعالى:[رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا] {النساء:165}

وقال تعالى:[ قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ اللّهِ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُل لاَّ أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَـهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ ] { الأنعام:19 }أي من بلغه القرآن فكل من بلغه القرآن فقد أنذره محمد r و النذارة ليست مختصة بمن شافههم بالخطاب بل ينذرهم به وينذر من بلغهم القرآن , قال تعالى:[هَـذَا بَلاَغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِ وَلِيَعْلَمُواْ أَنَّمَا هُوَ إِلَـهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ ] {إبراهيم:52} , قال تعالى:[وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَـذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُواْ وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ نُفُوراً ] {الإسراء:41}, قال تعالى:[وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً ] {الإسراء:89}, وقال تعالى: [وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً ] { الكهف:54} , قال تعالى: [وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنذِرِينَ ] { النمل:92} , قال تعالى: [وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِن جِئْتَهُم بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ ] { الروم: 58}, قال تعالى: [وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَن نُّؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ ] { سبأ:31}, قال تعالى: [أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ] { محمد:24}, قال تعالى: [نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ ] { ق:45}, قال تعالى: [وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ ] { القمر:17}, قال تعالى: [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ] { سبأ:28}, قال تعالى: [قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّــكُمْ تَهــْتَدُونَ ]

{ الأعراف:158} , وقال r:[ مَا مِنَ الأَنْبِيَاءِ مِنْ نَبِىٍّ إِلاَّ قَدْ أُعْطِىَ مِنَ الآيَاتِ مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِى أُوتِيتُ وَحْيًا أَوْحَى اللَّهُ إِلَىَّ فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ] متفق عليه

فهذه الأمة حفظ الله لها ما أنزله على نبيها كما قال تعالى:[إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ]{الحجر:9} , فما في تفسير القرآن أو نقل الحديث أو تفسيره من غلط فإن الله يقيم له من الأمة من يبينه ويذكر الدليل على غلط الغالط وكذب الكاذب فإن هذه الأمة لا تجتمع علىضلالة ولا يزال فيها طائفة ظاهرة على الحق حتى تقوم الساعة إذ كانوا آخر الأمم فلا نبي بعد نبيهم بعدهم ولا كتاب بعد كتابهم

وكانت الأمم قبلهم إذا بدلوا وغيروا بعث الله نبيا يبين لهم ويأمرهم وينهاهم ولم يكن بعد محمد نبي وقد ضمن الله أن يحفظ ما أنزله من الذكر وأن هذه الأمة لا تجتمع على ضلالة بل أقام الله لهذه الأمة في كل عصر من يحفظ به دينه من أهل العلم والقرآن وينفي به تحريف الغالين وانتحال المضلين وتأويل الجاهلين , فمعرفة ما أمر الله عباده أمرا عاما هو مما نقلته الأمة عن نبيها نقلا متواترا وأجمعت عليه مثل بيان شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأنه أرسل إلى جميع الناس أميهم وغير أميهم وإقام الصلوات الخمس وإيتاء الزكاة وصيام شهر رمضان وحج البيت العتيق من استطاع إليه سبيلا وإيجاب الصدق وتحريم الفواحش والظلم والأمر بالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت , قال شيخ الإسلام:" فالمسلمون عندهم منقولا عن نبيهم نقلا متواترا ثلاثة أمور لفظ القرآن ومعانيه التي أجمع المسلمون عليها والسنة المتواترة وهي الحكمة التي أنزلها الله عليه غير القرآن " أ.هـ انظر الجواب الصحيح:(3 / 10) .

وذهب جمع من أهل العلم منهم النووي إِلَى أَنَّ كُلَّ مَنْ مَاتَ عَلَى الْكُفْرِ فَهُوَ فِي النَّارِ وَلَوْ لَمْ يَأْتِهِ نَذِيرٌ ، وَاسْتَدَلُّوا بِظَوَاهِرِ آيَاتٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ ، وَبِأَحَادِيثَ عَنِ النَّبِيِّ r ، فَمِنَ الْآيَاتِ الَّتِي اسْتَدَلُّوا بِهَا قَوْلُهُ تَعَالَى:[ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا]{النساء:18} ، وَقَوْلُهُ:[إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ وَالمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ] {البقرة:161} ، وَقَوْلُهُ:[إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ]

{آل عمران:91} ، وَقَوْلُهُ:[إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ] {النساء:48} ، وَقَوْلُهُ:[ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ] {الحج:31} ، وَقَوْلُهُ:[ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ]{المائدة:72} إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ ، وَقَوْلُهُ:[ إِنَّ اللهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الكَافِرِينَ] {الأعراف:50} , إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ .

وَظَاهِرُ جَمِيعِ هَذِهِ الْآيَاتِ الْعُمُومُ ، لِأَنَّهَا لَمْ تُخَصَّصْ كَافِرًا دُونَ كَافِرٍ ، بَلْ ظَاهِرُهَا شُمُولُ جَمِيعِ الْكُفَّارِ .

وَمِنَ الْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ الْكُفَّارَ لَا يُعْذَرُونَ فِي كُفْرِهِمْ بِالْفَتْرَةِ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ : ، عَنْ أَنَسٍ:(( أَنَّ رَجُلًا قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَيْنَ أَبِي ؟ قَالَ:[ فِي النَّارِ ] , فَلَمَّا قَفَّى دَعَاهُ فَقَالَ:[ إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ ] )) , و عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r:

[ اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لِأُمِّي فَلَمْ يَأْذَنْ لِي ، وَاسْتَأْذَنْتُهُ أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأَذِنَ لِي ] ، وفي رواية له عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:(( زَارَ النَّبِيُّ r قَبْرَ أُمِّهِ فَبَكَى وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ , فَقَالَ:[ اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي فِي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي ، وَاسْتَأْذَنْتُهُ فِي أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأَذِنَ لِي ، فَزُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْمَوْتَ ] )) ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى عَدَمِ عُذْرِ الْمُشْرِكِينَ بِالْفَتْرَةِ .

وَأَجَابَ أَهْلُ هَذَا الْقَوْلِ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى:[ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا] {الإسراء:15} مِـنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُـهٍ :

الْأَوَّلُ : أَنَّ التَّعْذِيبَ الْمَنْفِيِ فِي قَوْلِهِ:[ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ] الْآيَةَ ، وَأَمْثَالِهَا مِنَ آيَاتِ ، إِنَّمَا هُوَ التَّعْذِيبُ الدُّنْيَوِيُّ ، كَمَا وَقَعَ فِي الدُّنْيَا مِنَ الْعَذَابِ بِقَوْمِ نُوحٍ ، وَقَوْمِ هُودٍ ، وَقَوْمِ صَالِحٍ ، وَقَوْمِ لُوطٍ ، وَقَوْمِ شُعَيْبٍ ، وَقَوْمِ مُوسَى وَأَمْثَالِهِمْ ، وَإِذًا فَلَا يُنَافِي ذَلِكَ التَّعْذِيبَ فِي الْآخِرَةِ .

وَنَسَبَ هَذَا الْقَوْلَ الْقُرْطُبِيُّ ، وَأَبُو حَيَّانَ ، وَالشَّوْكَانِيُّ وَغَيْرُهُمْ فِي تَفَاسِيرِهِمْ إِلَى الْجُمْهُورِ .

وَالْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّ مَحَلَّ الْعُذْرِ بِالْفَتْرَةِ الْمَنْصُوصَ فِي قَـوْلـِهِ: [ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ]الْآيَةَ ، وَأَمْثَالِهَا فِي غَيْرِ الْوَاضِحِ الَّذِي لَا يُخْفَى عَلَى أَدْنَى عَاقِلٍ ، أَمَّا الْوَاضِحُ الَّذِي لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ عِنْدَهُ عَقْلٌ كَعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ فَلَا يُعْذَرُ فِيهِ أَحَدٌ ; لِأَنَّ الْكُفَّارَ يُقِرُّونَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ رَبُّهُمْ ، الْخَالِقُ الرَّازِقُ ، النَّافِعُ ، الضَّارُّ ، وَيَتَحَقَّقُونَ كُلَّ التَّحَقُّقِ أَنَّ الْأَوْثَانَ لَا تَقْدِرُ عَلَى جَلْبِ نَفْعٍ وَلَا عَلَى دَفْعِ ضُرٍّ ، كَمَا قَالَ عَنْ قَوْمِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ:[ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ] {الأنبياء:65} ، وَكَمَا جَاءَتِ الْآيَاتُ الْقُرْآنِيَّةُ بِكَثْرَةٍ بِأَنَّهُمْ وَقْتَ الشَّدَائِدِ يُخْلِصُونَ الدُّعَاءَ لِلَّهِ وَحْدَهُ ، لِعِلْمِهِمْ أَنَّ غَيْرَهُ لَا يَنْفَعُ وَلَا يَضُرُّ ، كَقَوْلِهِ:[فَإِذَا رَكِبُوا فِي الفُلْكِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ]الْآيَةَ {العنكبوت:65} ، وَقَوْلِهِ:[وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ] الْآيَةَ {لقمان:32} ، وَقَوْلِهِ:[وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي البَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ]الْآيَةَ {الإسراء:67}، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ ، وَلَكِنَّ الْكُفَّارَ غَالَطُوا أَنْفُسَهُمْ لِشِدَّةِ تَعَصُّبِهِمْ لِأَوْثَانِهِمْ ، فَزَعَمُوا أَنَّهَا تُقَرِّبُهُمْ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ، وَأَنَّهَا شُفَعَاؤُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ ; مَعَ أَنَّ الْعَقْلَ يَقْطَعُ بِنَفْيِ ذَلِكَ .

الْوَجْهُ الثَّالِثُ : أَنَّ عِنْدَهُمْ بَقِيَّةَ إِنْذَارٍ مِمَّا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ الَّذِينَ أُرْسِلُوا قَبْلَ نَبِيِّنَا r ; كَإِبْرَاهِيمَ u وَغَيْرِهِ ، وَأَنَّ الْحُجَّةَ قَائِمَةٌ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ ، وَجَزَمَ بِهَذَا النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ ،

الْوَجْهُ الرَّابِعُ : مَا جَاءَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ عَنِ النَّبِيِّ r ، الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ الْفَتْرَةِ فِي النَّارِ ، كَمَا تقدم بَعْضَ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ بِذَلِكَ فِي صَحِيحٍ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ قال النووي عليه رحمة الله قوله:" (( أن رجلا قال: يا رسول الله أين أبي ؟ قال:[ في النار ] , فلما قفى دعاه فقال:[ إن أبي وأباك في النار ] )) فيه أن من مات على الكفر فهو في النار ولا تنفعه قرابة المقربين وفيه أن من مات في الفترة على ما كانت عليه العرب من عبادة الأوثان فهو من أهل النار وليس هذا مؤاخذة قبل بلوغ الدعوة فان هؤلاء كانت قد بلغتهم دعوة ابراهيم وغيره من الأنبياء صلوات الله تعالى وسلامه عليهم وقوله r:

[ أن أبي وأباك في النار ] , هو من حسن العشرة للتسلية بالاشتراك في المصـيـبـة " أ.هـ انظر شرح النووي على مسلم:(3 / 79) .

والأظهر أنه يستثنى من هذا من لم تقم عليه الحجة في الدنيا بالرسالة كالأطفال والمجانين وأهل الفترات لحديث الأسود بن سريع أن النبي r قال:[ أربعة يوم القيامة رجل أصم لا يسمع شيئا ورجل أحمق ورجل هرم ورجل مات في فترة فأما الأصم فيقول رب لقد جاء الإسلام وما أسمع شيئا وأما الأحمق فيقول رب لقد جاء الإسلام والصبيان يحذفوني بالبعر وأما الهرم فيقول ربي لقد جاء الإسلام وما أعقل شيئا وأما الذي مات في الفترة فيقول رب ما أتاني لك رسول فيأخذ مواثيقهم ليطيعنه فيرسل إليهم ان أدخلوا النار قال فوالذي نفس محمد بيده لو دخلوها لكانت عليهم بردا وسلاما ] رواه احمد ابن حبان في صحيحه

ثم انتشر في الأعصار المتأخرة عند طائفة من أهل العلم أن الجاهل يعذر

بجهله في ترك التوحيد والوقوع في الكفر البواح إذا كان يشهد الشهادتين وإن بلغته الرسالة واحتجوا بالمتشابه من الأدلة :

قال ابن حزم:" وقد صح عن رسول الله r:[ أن رجلا لم يعمل خيرا قط فلما حضره الموت قال: لأهله إذا مت فأحرقوني ثم ذروا رمادي في يوم راح نصفه في البحر ونصفه في البر فوالله لئن قدر الله تعالى علي ليعذبني عذابا لم يعذبه أحدا من خلقه وأن الله عز جل جمع رماده فأحياه وسأله ما حملك على ذلك قال خوفك يا رب وأن الله تعالى غفر له لهذا القول ] , قال أبو محمد : فهذا إنسان جـهل إلى أن مات أن الله عزوجل يقدر على جمع رماده وإحيائه وقد غفر له لإقراره وخوفه وجهله " أ.هـ انظر الفصل في الملل والأهواء والنحل:(3 / 140) .

وقد تتابع عدد من أهل العلم على ماقرره ابن حزم وجعلوه أصلا لهم في مسألة العذر بالجهل حتى لو كـان ذلك في أصـل الملة وهـذا خطـــأمــن وجــوه :

أولاً / أنه ليس في الحديث أنه شك في قدرة الله وإنما هو شئ فهمه ابن حزم وقلده عليه غيره , وهناك احتمالات أخرى منها أنه أصابه الذهول من شدة فرقه وخوفه ,

ثانياً / أن لو كان ما فعله كفر يخرج من الملة لما قال في الحديث في رواية أحمد بإسناد صحيح عن عبد الله بن مسعود t:[ أن رجلا لم يعمل من الخير شيئا قط إلا التوحيد فلما حضرته الوفاة قال لأهله إذا أنا مت فخذوني واحرقوني ... ] الحديث , وكذا في حديث عن أبي هريرة عن النبي r عند أحمد وغيره وإسناده صحيح متصل فـقـوله: [ إلا التوحيد ] , دليل بين أن ما فعله لم يكن كفرا يخرجه من الملة

ثالثاً / أن الجهل بشيء من أسماء الله وصفاته وأفعاله ليس كفرا مخرجا من الملة ونظير ما تقدم قوله تعالى: [أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ

وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىَ يُحْيِـي هَـَذِهِ اللّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ]

{ البقرة:259} , و قالت عائشة رضي الله عنها الموحدة بنت الصديق:

(( وهل يعلم الله مانكتم )) , وقال الصحابة للنبي r:(( وهل يضحك ربنا )) , ولم يكفر العلماء الأشاعرة المتأولين للصفات لأن الجهل في هذا وارد .

وهكذا كل ما استدل به من يرى الجهل عذرا مطلقا إنما هي في أمور جزئية , بل هي من المتشابه فهم فروا من التكفير بزعمهم ووقعوا في تأويل النصوص المحكمة المجمع عليها , قال القرطبي:" قوله تعالى:[إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ]وهذا من المحكم المتفق عليه الذي لا اختلاف فيه بين الامة , وقوله:[ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ]من المتشابه الذي قد تكلم العلماء فيه " أ.هـ انظر تفسير القرطبي:(5 / 245).

قال شيخ الإسلام رحمه الله:" والمرتد من أشرك بالله تعالى أو كان مبغضا للرسول r ولما جاء به أو ترك إنكار منكر بقلبه أو توهم أن أحدا من الصحابة أو التابعين أو تابعيهم قاتل مع الكفار أو أجاز ذلك أو أنكر مجمعا عليه إجماعا قطعيا أو جعل بينه وبين الله وسائط يتوكل عليهم ويدعوهم ويسألهم " أ.هـ انظر الفتاوى الكبرى:(5 / 535)

وقال شيخ الإسلام رحمه الله:" وبالجملة فالشرك أعظم من التكذيب بالرسالة و لهذا كان المشركون أكفر من اليهود والنصارى المكذبين برسالته " أ.هـ انظر الرد على البكري:(1 / 301) .

ومصداق ما ذكره الشيخ في قوله تعالى:[هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا]{الكهف:15} .

وقال رحمه الله:" وَلَمَّا كَانَ الشَّيْخُ فِي قَاعَةِ التَّرْسِيمِ دَخَلَ إلَى عِنْدِهِ ثَلَاثَةُ رُهْبَانٍ مِنْ الصَّعِيدِ فَنَاظَرَهُمْ وَأَقَامَ عَلَيْهِمْ الْحُجَّةَ بِأَنَّهُمْ كُفَّارٌ وَمَا هُمْ عَلَى الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ إبْرَاهِيمُ وَالْمَسِيحُ . فَقَالُوا لَهُ : نَحْنُ نَعْمَلُ مِثْلَ مَا تَعْمَلُونَ : أَنْتُمْ تَقُولُونَ بِالسَّيِّدَةِ نَفِيسَةَ وَنَحْنُ نَقُولُ بِالسَّيِّدَةِ مَرْيَمَ وَقَدْ أَجْمَعْنَا نَحْنُ وَأَنْتُمْ عَلَى أَنَّ الْمَسِيحَ وَمَرْيَمَ أَفْضَلُ مِنْ الْحُسَيْنِ وَمِنْ نَفِيسَةَ وَأَنْتُمْ تَسْتَغِيثُونَ بِالصَّالِحِينَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ وَنَحْنُ كَذَلِكَ فَقَالَ لَهُمْ وَأَيُّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَفِيهِ شَبَهٌ مِنْكُمْ وَهَذَا مَا هُوَ دِينُ إبْرَاهِيمَ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ فَإِنَّ الدِّينَ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ إبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنْ لَا نَعْبُدَ إلَّا اللَّهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَلَا نِدَّ لَهُ وَلَا صَاحِبَةَ لَهُ وَلَا وَلَدَ لَهُ وَلَا نُشْرِكَ مَعَهُ مَلَكًا وَلَا شَمْسًا وَلَا قَمَرًا وَلَا كَوْكَبًا وَلَا نُشْرِكَ مَعَهُ نَبِيًّا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَلَا صَالِحًا:[إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا] {مريم:93} , وَأَنَّ الْأُمُورَ الَّتِي لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا غَيْرُ اللَّهِ لَا تُطْلَبُ مِنْ غَيْرِهِ مِثْلُ إنْزَالِ الْمَطَرِ وَإِنْبَاتِ النَّبَاتِ وَتَفْرِيجِ الْكُرُبَاتِ وَالْهُدَى مِنْ الضَّلَالَاتِ وَغُفْرَانِ الذُّنُوبِ ؛ فَإِنَّهُ لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ مِنْ جَمِيعِ الْخَلْقِ عَلَى ذَلِكَ وَلَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلَّا اللَّهُ " أ.هـ انظر مجموع الفتاوى:(1 / 370).

وقال ابن جرير عليه رحمة الله عند تفسير قوله تعالى: [الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا]{الكهف:104} :" ولو كان القول كما قال الذين زعموا أنه لا يكفر بالله أحد إلا من حيث يعلم، لوجب أن يكون هؤلاء القوم في عملهم الذي أخبر الله عنهم أنهم كانوا يحسبون فيه أنهم يحسنون صنعه ، كانوا مثابين مأجورين عليها، ولـكن الـقول بخلاف ما قالوا ، فـأخبر جل ثناؤه عنهم أنـهم بالله كفرة ، وأن أعمالهم حابطة " أ.هـ

انظر تفسير الطبري:(18 / 128) .

وقال ابن القيم:" ومن أعظم كيد الشيطان : أنه ينصب لأهل الشرك قبر معظم يعظمه الناس ثم يجعله وثنا يعبد من دون الله ثم يوحي إلى أوليائه : أن من نهى عن عبادته واتخاذه عيدا وجعله وثنا فقد تنقصه وهضم حقه فيسعى الجاهلون المشركون في قتله وعقوبته ويكفرونه وذنبه عند أهل الإشراك : أمره بما أمر الله به ورسوله ونهيه عما نهى الله عنه ورسوله : من جعله وثنا وعيدا وإيقاد السرج عليه وبناء المساجد والقباب عليه وتجصيصه وإشادته وتقبيله واستلامه ودعائه أو الدعاء به أو السفر إليه أو الاستغاثة به من دون الله مما قد علم بالاضطرار من دين الإسلام أنه مضاد لما بعث الله به رسوله : من تجريد التوحيد لله وأن لا يعبد إلا الله " أ.هـ انظر إغاثة اللهفان:(1 / 212).

رابعاً / مما يعلم يقينا إن طريقة القرآن والسنة في إقامة الحجة تكون للأئمة من الملوك والأحبار والرهبان والعامة تبع لهم وليس في القرآن والسنة أن الحجة تقام على كل فرد من الناس , قَالَ الْإِمَامُ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ جَامِعِ بَيَانِ الْعَلَمِ وَفَضْلِهِ وَمَا يَنْبَغِي فِي رِوَايَتِهِ وَحَمْلِهِ:" بَابُ فَسَادِ التَّقْلِيدِ وَنَفْيِهِ وَالْفَرْقِ بَيْنَ التَّقْلِيدِ وَالِإتِّبَاعِ : قَدْ ذَمَّ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى التَّقْلِيدَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ ، فَقَالَ تعالى:[اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ]{التوبة:31} , وعَنْ حُذَيْفَةَ وَغَيْرِهِ ، قَالُوا:(( لَمْ يَعْبُدُوهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنَّهُمْ أَحَلُّوا لَهُمْ وَحَرَّمُوا عَلَيْهِمْ فَاتَّبَعُوهُمْ )).

وَقَالَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ:(( أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ r وَفِي عُنُقِي الصَّلِيبُ ، فَقَالَ لِي:[ يَا عَدِيُّ : أَلْقِ هَذَا الْوَثَنَ مِنْ عُنُقِكَ ] ، فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ وَهُوَ يَقْرَأُ سُورَةَ بَرَاءَةَ حَتَّى أَتَى عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ:[اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ] قَالَ : قَلَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ : إِنَّا لَمْ نَتَّخِذْهُمْ أَرْبَابًا ؟ قَالَ: بَلَى ، أَلَيْسَ يُحِلُّونَ لَكُمْ مَا حُرِّمَ عَلَيْكُمْ فَتُحِلُّونَهُ وَيُحَرِّمُونَ عَلَيْكُمْ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ فَتُحَرِّمُونَهُ ؟ ] , فَقُلْتُ : بَلَى ، فَقَالَ:[ تِلْكَ عِبَادَتُهُمْ ] )) .

حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، ثُمَّ سَاقَ السَّنَدَ إِلَى أَنْ قَالَ : عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ:[اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ] : أَمَا إِنَّهُمْ لَوْ أَمَرُوهُمْ أَنْ يَعْبُدُوهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا أَطَاعُوهُمْ ، وَلَكِنَّهُمْ أَمَرُوهُمْ ، فَجَعَلُوا حَلَالَ اللَّهِ حَرَامَهُ ، وَحَرَامَهُ حَلَالَهُ فَأَطَاعُوهُمْ ، فَكَانَتْ تِلْكَ الرُّبُوبِيَّةَ .

قَالَ : وَحَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ ، ثُمَّ سَاقَ السَّنَدَ إِلَى أَنْ قَالَ : عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ ، قَالَ : قِيلَ لِحُذَيْفَةَ فِي قَوْلِهِ:[اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ], أَكَانُوا يَعْبُدُونَهُمْ ؟ فَقَالَ:(( لَا ، وَلَكِنْ كَانُوا يُحِلُّونَ لَهُمُ الْحَرَامَ فَيُحِلُّونَهُ ، وَيَحْرِّمُونَ عَلَيْهِمُ الْحَلَالَ فَيُحَرِّمُونَهُ )).

وَقَالَ جَلَّ وَعَزَّ:[وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ] {الزُّخرف:23} [قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آَبَاءَكُمْ] {الزُّخرف:23-24} , فَمَنَعَهُمُ الِاقْتِدَاءُ بِآبَائِهِمْ مِنْ قَبُولِ الِاهْتِدَاءِ ، فَقَالُوا:[ إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ] {الزُّخرف:24} .

وَفِي هَؤُلَاءِ وَمِثْلِهِمْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ:[إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الصُّمُّ البُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ]{الأنفال:22} , وَقَالَ:[إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا العَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ]{البقرة:166-167}, وَقَالَ عَزَّوَجَلَّ عَائِبًا لِأَهْلِ الْكُفْرِ وَذَامًّا لَهُمْ :[ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ * قَالُوا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ] {الأنبياء:52-53} , وَقَالَ:[وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا] {الأحزاب:67}.

وَمِثْلُ هَذَا فِي الْقُرْآنِ كَثِيرٌ مِنْ ذَمِّ تَقْلِيدِ الْآبَاءِ وَالرُّؤَسَاءِ " أ.هـ

انظر جامع بيان العلم وفضله:(2 / 220-222) .

قال شيخ الإسلام:" قال تعالى:[مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللهُ الكِتَابَ وَالحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ*وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا المَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ]{آل عمران:79-80}, فقد بين أن من اتخذ الملائكة والنبيين أربابا فهو كافر فمن اتخذ من دونهم أربابا كان أولى بالكفر وقد ذكر أن النصارى اتخذوا من هو دونهم أربابا بقوله تعالى:[اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ وَالمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ] {التوبة:31}

انظر الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح:(2 / 119) .

وقال:" ووصفهم بالشرك وبأنهم يعبدون غير الله كما قال تعالى

[اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ وَالمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ] {التوبة:31} , فأخبر أنهم اتخذوا من دون الله أربابا واتخذوا المسيح ربا وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا وهؤلاء باتخاذهم غيره أربابا عبدوهم فأشركوا بالله سبحانه وتعالى عما يشركون " أ.هـ

انظر الجواب الصحيح:(4 / 44)

وقال:" وأما وصفهم بالشرك ففي قوله:[اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ وَالمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ] {التوبة:31}

فنزه نفسه عن شركهم وذلك أن أصل دينهم ليس فيه شرك فإن الله إنما بعث رسله بالتوحيد والنهي عن الشرك كما قال تعالى:[وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آَلِهَةً يُعْبَدُونَ]{الزُّخرف:45} " أ.هـ انظر الجواب الصحيح:(3 / 65) .

وروى الشيخان عن ابن عباس في الكتاب الذي كتبه رسول الله r الى هيرقل:(( فقرأه فإذا فيه:[ بسم الله الرحمن الرحيم من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم سلام على من اتبع الهدى أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين ، و{ يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ، ولا نشرك به شيئا ، ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون} ] ))

فقوله:[ عليك إثم الأريسيين ] صريح أن الحجة قامت عليهم و أنهم لا يعذرون وأنه يتحمل وزرهم.

وقال ابن كثير:" وقوله تعالى:[ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ]{الأنعام:121} أي: حيث عدلتم عن أمر الله لكم وشرعه إلى قول غيره، فقدمتم عليه غيره فهذا هو الشرك، كما قال تعالى:[اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ وَالمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ] {التوبة:31} ,وقد روى الترمذي في تفسيرها، عن عدي بن حاتم أنه قال:(( يا رسول الله، ما عبدوهم، فقال:[ بل إنهم أحلوا لهم الحرام وحرموا عليهم الحلال، فاتبعوهم، فذلك عبادتهم إياهم ] )) انظر تفسير ابن كثير:(3 / 329) .

خامساً / أن طلب العلم فرض على المكلفين لمعرفة الأمر الذي خلقوا لأجله , وأنه لا يعذر بجهله في وقوعه في الكفر البواح أو تقليده لمن يضله , فعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال:(( سمعت رسول الله r يقول:[ إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا ] )) رواه الشيخان , وفيه إشارة إلى قوله تعالى:[قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ]{المائدة:77} قال ابن جرير:" [وَأَضَلُّوا كَثِيرًا] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَأَضَلَّ هَؤُلاَءِ الْيَهُودُ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ , فَحَادُوا بِهِمْ عَنْ طَرِيقِ الْحَقِّ وَحَمَلُوهُمْ عَلَى الْكُفْرِ بِاللَّهِ وَالتَّكْذِيبِ بِالْمَسِيحِ [وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ] يَقُولُ : وَضَلَّ هَؤُلاَءِ الْيَهُودُ عَنْ قَصْدِ الطَّرِيقِ , وَرَكِبُوا غَيْرَ مَحَجَّةِ الْحَقِّ وَإِنَّمَا يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ كُفْرَهُمْ بِاللَّهِ وَتَكْذِيبَهُمْ رُسُلَهُ عِيسَى وَمُحَمَّدًا r, وَذَهَابَهُمْ عَنِ الإِيمَانِ وَبُعْدَهُمْ مِنْهُ . وَذَلِكَ كَانَ ضَلاَلَهُمُ الَّذِي وَصَفَهُمُ اللَّهُ بِهِ " أ.هـ

انظر تفسير الطبري:(8 / 585) .

وعن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله r يقول:[ ألا إن الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالم أو متعلم ] رواه الترمذي وابن ماجة وإسناده صحيح.

وعن مرداس الأسلمي قال: قال رسول الله r:[ يقبض الصالحون الأول فالأول حتى يبقى كحثالة التمر أو الشعير لا يبالي الله بهم شيئا ] رواه أحمد بإسناد صحيح , وهو يذكر بحديث عياض بن حمار مرفوعا:

[ أَلاَ إِنَّ رَبِّى أَمَرَنِى أَنْ أُعَلِّمَكُمْ مَا جَهِلْتُمْ مِمَّا عَلَّمَنِى يَوْمِى هَذَا كُلُّ مَالٍ نَحَلْتُهُ عَبْدًا حَلاَلٌ وَإِنِّى خَلَقْتُ عِبَادِى حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِى مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا وَإِنَّ اللَّهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ فَمَقَتَهُمْ عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ إِلاَّ بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ] الحديث رواه مسلم , وعن أبي هريرة ، أن النبي r قال:[ لا تقوم الساعة حتى يرجع ناس من أمتي إلى أوثان يعبدونها من دون الله ] رواه الطيالسي بإسناد جيد ,

وأخرج ابن جرير من طرق عن ابن عباس قـال:(( تفسير القرآن على أربعة أوجه : وجه تعرفه العرب من كلامها , وتفسير لا يعذر احد بجهالته , وتفسير يعلمه العلماء , وتفسير لا يعلمه إلا الله تعالى ذكره )) , عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ t أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ:(( اغْدُ عَالِمًا، أَوْ مُتَعَلِّمًا، وَلَا تَغْدُ إِمَّعَةً فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ )) , وعنه t أَنَّهُ قَالَ:(( كُنَّا نَدْعُو الْإِمَّعَةَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ الَّذِي يُدْعَى إِلَى الطَّعَامِ، فَيَذْهَبُ مَعَهُ بِآخَرَ، وَهُوَ فِيكُمُ الْمُحْقِبُ دِينَهُ الرِّجَالَ الَّذِي يَمْنَحُ دِينَهُ غَيْرَهُ، فِيمَا يَنْتَفِعُ بِهِ ذَلِكَ الْغِيَرُ فِي دُنْيَاهُ، وَيَبْقَى إِثْمُهُ عَلَيْهِ )) رواهما الطحاوي بإسنادين صحيحين ,وعن كميل بن زياد النخعي قال:(( اخذ علي بن ابي طالب t بيدي فأخرجني ناحية الجبانة فلما اصحر جعل يتنفس ثم قال: يا كميل بن زياد القلوب اوعية فخيرها اوعاها احفظ عني ما اقول لك الناس ثلاثة فعالم رباني ومتعلم على سبيل نجاة وهمج رعاع اتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح لم يستضيئؤوا بنور العلم ولم يلجئوا إلى ركن وثيق العلم )) , قال ابو عمر بن عبدالبر:" وهو حديث مشهور عند أهل العلم يستغنى عن الإسناد لشهرته عندهم " أ.هـ

انظر جامع بيان العلم وفضله:(2 / 226) .

قال ابن القيم:" وقوله:(( اتباع كل ناعق )) أي : من صاح بهم ودعاهم تبعوه سواء دعاهم إلى هدى او إلى ضلال فإنهم لا علم لهم بالذي يدعون إليه احق هو ام باطل فهم مستجيبون لدعوته وهؤلاء من اضر الخلق على الاديان فإنهم الاكثرون عددا الاقلون عند الله قدرا وهم حطب كل فتنة بهم توقد ويشب ضرامها فإنها يهتز لها اولو الدين ويتولاها الهمج الرعاع وسمى داعيهم ناعقا تشبيها لهم بالأنعام التي ينعق بها الراعي فتذهب معه اين ذهب قال تعالى:[وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ] {البقرة:171} وهذا الذي وصفهم به امير المؤمنين هو من عدم علمهم وظلمة قلوبهم فليس لهم نور ولا بصيرة يفرقون بها بين الحق والباطل بل الكل عندهم سواء " أ.هـ انظر مفتاح دار السعادة:(1 / 126) .

وروى الشيخان عن علي t قال:(( بعث النبي r سرية وأمر عليهم رجلا من الأنصار وأمرهم أن يطيعوه فغضب عليهم وقال: أليس قد أمر النبي r أن تطيعوني ؟ , قالوا: بلى , قال: عزمت عليكم لما جمعتم حطبا وأوقدتم نارا ثم دخلتم فيها , فجمعوا حطبا فأوقدوا فلما هموا بالدخول فقام ينظر بعضهم إلى بعض قال: بعضهم إنما تبعنا النبي r فرارا من النار أفندخلها , فبينما هم كذلك إذ خمدت النار وسكن غضبه فذكر للنبي r فقال:[ لو دخلوها ما خرجوا منها أبدا إنما الطاعة في المعروف ] )) , فقوله:[ لو دخلوها ما خرجوا منها أبدا إنما الطاعة في المعروف ] , دليل على أنه لا يعذر فيما لا يسعه جهله فكيف بطاعة من يأمره بعبادة غير الله فطاعته من أعظم المنكرات كما قال تعالى:[ أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ]

{الشورى:21} .

وعن شقيق قال:(( كنت مع عبد الله وأبي موسى فقالا قال النبي r:

[ إن بين يدي الساعة لأياما ينزل فيها الجهل ويرفع فيها العلم ويكثر فيها الهرج والهرج القتل ] متفق عليه

فهذه الأدلة وغيرها تدل على أن الجهل بالدين وأعظمه التوحيد ذنب

كما جاء في الأدلة وقرره السلف الصالح , قال تعالى:[بَلِ الإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ*وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ]{القيامة:14-15}, قال ابن كثير:"أي: هو شهيد على نفسه، عالم بما فعله ولو اعتذر وأنكر، كما قال تعال:[ اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ] { الإسراء : 14 }.

وقال مجاهد:[ وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ] ولو جادل عنها فهو بصير عليها. وقال قتادة:[ وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ] ولو اعتذر يومئذ بباطل لا يقبل منه. وقال السدي:[ وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ] حجته. وكذا قال ابن زيد، والحسن البصري، وغيرهم. واختاره ابن جرير " أ.هـ

انظر تفسير ابن كثير:(8 / 277).

وقال تعالى:[ قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ ] {هود:46}

وقوله تعالى:[ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ ] {البقرة:67}

وقوله تعالى:[ قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ ] {الرزمر:64} , وليس كما فهم بعض المتأخرين أنه عذر ترفع به المؤاخذة , ويجب التفريق بين الجاهل وبين من لم تبلغه الرسالة مطلقا فهذا لا يوصف بالجهل المذموم.

وقال الله تعالى:[وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ]{البقرة:78} , قال ابن جرير رحمه الله بعد أن سرد الآثار عن السلف في تفسير الآية:" فمعنى الآية: ومنهم من لا يكتب ولا يخط ولا يعلم كتاب الله ولا يدري ما فيه، إلا تخرصا وتقولا على الله الباطل، ظنا منه أنه محق في تخرصه وتقوله الباطل.

وإنما وصفهم الله تعالى ذكره بأنهم في تخرصهم على ظن أنهم محقون وهم مبطلون، لأنهم كانوا قد سمعوا من رؤسائهم وأحبارهم أمورا حسبوها من كتاب الله " أ.هـ انظر تفسير الطبري:(2 / 266) .

فلم يجعل الله تعالى ذلك عذرا لهم بل ذمهم وجعلهم في حكم أحبارهم ورهبانهم.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الضحاك قال:" لا يعذر أحـد حر ولا عبد ولا رجل ولا امرأة لا يتعلم من القرآن جهده ما بلغ منه فإن الله يقول:[ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ]{آل عمران:79} يقول:كونوا فقهاء كونوا علماء " أ.هـ

وأخرج ابن المنذر من طريق عكرمة عن ابن عباس في قوله:[وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ] الآية {النساء:18} ، قال:(( هم أهل الشرك )).

وأخرج عَبد بن حُمَيد ، وَابن المنذر ، وَابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله:[إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ] الآية{النساء:17} ، قال : هذه للمؤمنين وفي قوله: [وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ] الآية {النساء:18} , قال: هذه لأهل النفاق قوله: [وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ] {النساء:18}, قال: هذه لأهل الشرك .

قال شيخ الإسلام:"وجمهور الناس لا يعرفون معاني الكتب الإلهية التوراة والإنجيل والقرآن إلا بمن يبينها ويفسرها لهم وإن كانوا يعرفون اللغة فهؤلاء يجب عليهم طلب علم ما يعرفون به ما أمرهم الله به ونهاهم عنه وهذاهو طلب العلم المفروض على الخلق وكذلك ما بينه الرسول من معاني الكتاب الذي أنزله الله عليه يجب على الخلق طلب علم ذلك ممن يعرفه إذا كان معرفة ذلك لا تحصل بمجرد اللسان كما يروى عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال تفسير القرآن على أربعة أوجه تفسير تعرفه العرب من كلامها وتفسير لا يعذر أحد بجهالته وتفسير يعلمه العلماء وتفسير لا يعلمه إلا الله تبارك وتعالى فمن ادعى علمه فهو كاذب " أ.هـانظر الجواب الصحيح:(2 / 54) .

وقال عليه رحمة الله:" إنه ليس فهم كل آية من القرآن فرضا على كل مسلم وإنما يجب على المسلم أن يعلم ما أمره الله به وما نهاه عنه بأي عبارة كانت وهذا ممكن لجميع الأمم ولهذا دخل في الإسلام جميع أصناف العجم من الفرس والترك والهند والصقالبة والبربر ومن هؤلاء من يعلم اللسان العربي ومنهم من يعلم ما فرض الله عليه الترجمة وقد قدمنا أنه يجوز ترجمة القرآن في غير الصلاة والتعبير كما يجوز تفسيره باتفاق المسلمين " أ.هـانظر الجواب الصحيح:(2 / 67) .

وقال عليه رحمة الله:" الوجه الثالث: أن النصارى فيهم عرب كثير من زمن النبي وكل من يفهم اللسان العربي فإنه يمكن فهمه للقرآن وإن كان أصل لسانه فارسيا أو روميا أو تركيا أو هنديا أو قبطيا وهؤلاء الذين أرسلوا هذا الكتاب من علماء النصارى قد قرأوا المصحف وفهموا منه ما فهموا وهم يفهمونه بالعربية واحتجوا بآيات من القرآن فكيف يسوغ لهم مع هـذا أن يقولوا كيف تقوم الحجة علينا بكتاب لم نفهمه " أ.هـ انظر الجواب الصحيح:(2 / 66) .

وقال رحمه الله " هذا اصل مطرد في مباني الإسلام الخمسة و في الأحكام الظاهرة المجمع عليها من مكلف إن كان الجاحد لذلك معذورا مثل إن يكون حديث عهد بالإسلام أو قد نشأ ببادية هي مظنة الجهل بذلك لم يكفر حتى يعرف إن هذا دين الإسلام لأن أحكام الكفر و التأديب لا تثبت إلا بعد بلوغ الرسالة لا سيما فيما لا يعلم بمجرد العقل قال الله تعالى و ما كنا معذبين حتى نبعث رسولا و قال تعالى لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل و قال تعالى و لو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا و قال تعالى و ما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلوا عليهم آياتنا و قال تعالى لأنذركم به و من بلغ فالإنذار لمن بلغه القرآن بلفظه أو معناه فإذا بلغته الرسالة بواسطة أو بغير واسطة قامت عليه الحجة و انقطع عذره فأما الناشىء بديار الإسلام ممن يعلم أنه قد بلغته هذه الأحكام فلا يقبل قوله أي لم اعلم ذلك و يكون ممن جحد وجوبها بعد إن بلغه العلم في ذلك فيكون كافرا كفرا ينقل عن الملة سواء صلاها مع ذلك أو لم يصلها و سواء اعتقدها مستحبة أو لم يعتقد و سواء رآها واجبة على بعض الناس دون بعضا أو لا وسواء تأول في ذلك أو لم يتأول لأنه كذب الله و رسوله و كفر بما ثبت إن محمدا صلى الله عليه و سلم بعث به " أ.هـ انظر شرح العمدة:(4 / 52) .

فأنت ترى أن شيخ الإسلام عليه رحمة الله لا يرى اشتراط إقامة الحجة على من كان ناشئا بين المسلمين لأن من كانت هذه حاله لا يقبل إعتذاره بالجهل ولا ينفعه التأويل :

فـهو لا يخلوا من حالين :

= إما أن يكون معرضا كما قال تعالى :[وَآَتَيْنَاهُمْ آَيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ] {الحجر:81} , قال تعالى: [وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ] {يس:46}, قال تعالى: [فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ] {المدَّثر:49} , ويكون مثل من قال الله عزوجل فيهم ذاماً لهم:[سَيَقُولُ لَكَ المُخَلَّفُونَ مِنَ الأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا] {الفتح:11} , ومثل من قال الله عزوجل فيهم:[إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ المَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا] {النساء:97}

وروى الشيخان عن أبي واقد الليثي:(( أن رسول الله r بينما هو جالس في المسجد والناس معه إذ أقبل ثلاثة نفر فأقبل اثنان إلى رسول الله r وذهب واحد قال فوقفا على رسول الله r فأما أحدهما فرأى فرجة في الحلقة فجلس فيها ، وأما الآخر فجلس خلفهم ، وأما الثالث فأدبر ذاهبا فلما فرغ رسول الله r قال:[ ألا أخبركم ، عن النفر الثلاثة أما أحدهم فأوى إلى الله فآواه الله ، وأما الآخر فاستحيا فاستحيا الله منه ، وأما الآخر فأعرض فأعرض الله عنه ] )).

= وإما أن يكون كافرا بطاعته وتقليده لأئمة الضلال كما تقدم .

* وأما قول شيخ الإسلام :" ... لكن لغلبة الجهل وقلة العلم بآثار الرسالة في كثير من المتأخرين لم يمكن تكفيرهم بذلك حتى يتبين لهم ما جاء به الرسول r مما يخالفه " أ.هـ انظر الرد على البكري:(2 / 731) .

فهذا يحتمل أمرين :

1/ إما أن يقصد عليه رحمة الله : في أحكام الدنيا الظاهرة الذي يترتب عليه استحلال دمائهم وأموالهم ونحو ذلك , كما قال في موضع آخر: " فإن تكفير الشخص المعين و جواز قتله موقوف على أن تبلغه الحجة النبوية التي يكفر من خالفها " أهـ انظر الرد على البكري:(2 / 492) .

2/ وإما يحتمل أنه يعذرهم مطلقا وأن حكمهم حكم أهل الفترة ومن لم تبلغه الرسالة فهذا مخالف لما أجمع عليه أهل العلم من أن حجة الله على عبادة قائمة على كل من بلغه القرآن ولا يعذر بجهله في الكفر البواح وعبادة الأوثان كما تقدم , بل حتى أهل الفترة اتفق أهل العلم أنهم ماتوا مشركين كفارا , وإن اختلفوا هل يمتحنون في الآخرة , وعلى كل حال فلا يوجد في كتاب الله وسنة رسوله من يعذر بترك التوحيد فإن هذا مناقض للحكمة التي خلق الله العباد من أجلها قال تعالى: [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ] { الذاريات:56 ] , وقال تعالى:[ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ] {المؤمنون:115 }, فمن جعل الجهل عذرا مطلقا فقد أبطل حجة الله على خلقه وقد قال تعالى: [ قُلْ فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ] {الأنعام:149} بل حتى المجانين والصبيان لا يدخلون الجنة ابتداء بل يمتحنون كما جاء في الخبر.

وحاشاه رحمه الله أن يرد النصوص بعقله , كما فعل الفلاسفة وأهل الكلام في اسماء الله وصفاته , فإن الواجب هو التسليم لحكم الله تعالى وترك معارضته , وقد قال تعالى:[إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ] {النساء:48} , وقال تعالى:[وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللهِ إِلَهًا آَخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الكَافِرُونَ] {المؤمنون:117}, وقال تعالى:[قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الجَاهِلِينَ] {هود:46} , وقال تعالى:[وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ للهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ] {التوبة:114} , ولم يستثن سبحانه وتعالى من هذا إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان , قال r:[ من مات على شئ بعث عليه ] رواه مسلم, وقال r:[ من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة ومن مات يشرك بالله شيئا دخل النار ] رواه مسلم.

* وكذا ما فهمه بعضهم مما نقل عن الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في رسالة للشريف انه قال:" وأما الكذب والبهتان مثل قولهم أنا نكفر بالعموم ونوجب الهجرة إلينا على من قدر على إظهار دينه وإنا نكفر من لم يكفر ولم يقاتل ومثل هذا واضعاف اضعافه وكل هذا من الكذب والبهتان الذي يصدون به عن دين الله ورسوله وإذا كنا لا نكفر من عبد الصنم الذي على قبة عبد القادر والصنم الذي على قبر أحمد البدوي وأمثالهما لا جل جهلهم وعدم من ينبههم فكيف نكفر من لم يشرك بالله او لم يهاجر إلينا ولم يكفر ويقاتل ( سبحانك هذا بهتان عظيم ) " أ.هـ

فمراده عليه رحمة الله : في الأحكام الظاهرة أحكام الدنيا فلا يعاملون معاملة الكفار فلا بد من استتابتهم , وأما في الآخرة فقد قال رحمه الله:" من كان من أهل الجاهلية عاملاً بالإسلام تاركاً للشرك فهو مسلم , أما من كان يعبد الأوثان ومات على ذلك قبل ظهور هذا الدين فهذا ظاهره الكفر , وإن كان يحتمل أنه لم تقم عليه الحجة الرسالية بجهله , وعدم من ينبهه لأنا نحكم على الظاهر , وأما الحكم على الباطن فذلك إلى الله " أ.هـ انظر الدرر السنية:( 10/333) .

وقال عليه رحمة الله:" ما ذكرتم من قول الشيخ - يعني ابن تيمية - كل من جحد كذا وكذا وقامت عليه الحجة أنكم شاكون في هؤلاء الطواغيت وأتباعهم هل قامت عليهم الحجة فهذا من العجب كيف تشكون في هذا وقد أوضحته لكم مرارا فإن الذي لم تقم عليه الحجة هو الذي حديث عهد بالإسلام والذي نشأ ببادية بعيدة أو يكون ذلك في مسألة خفية مثل الصرف والعطف فلا يكفر حتي يعرف وأما أصول الدين التي أوضحها الله وأحكمها في كتابه فإن حجة الله هو القرآن فمن بلغه القرآن فقد بلغته الحجة ولكن أصل الإشكال أنكم لم تفرقوا بين قيام الحجة وبين فهم الحجة فإن أكثر الكفار والمنافقين من المسلمين لم يفهموا حجة الله مع قيامها عليهم كما قال تعالى:[أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا] {الفرقان:44} " أ.هـ انظر مؤلفات ابن عبد الوهاب:(1 / 244) .

وخـتـامـا :

أقول إن من قال إن القرآن ليس حجة على الخلق في العصور المتأخرة

وعصرنا هذا فهو مكذب لله كافر به , وكذا من قال إن عباد الأوثان من أتباع ملالي الرافضة وغلاة الصوفية موحدون ولا تضرهم عبادة غير الله إذا كانوا ينطقون بالشهادتين وأنهم يموتون على التوحيد

لأنهم معذورون بالجهل فهو على خطر عظيم , قال تعالى: [ قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ] {الممتحنة:4} , وقال تبارك تعالى:[ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ] {التوبة:23 }, وقال تعالى:[ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ] { المائدة:51} , وقال تعالى: [ وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً ]{ النساء107}, وقال تعالى:[ إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوَءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللّهِ وَاشْهَدُواْ أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ ]{هود:54},وقال تعالى:[ فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَآؤُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً ] {النساء:62 } , وأذكر أنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَدَّرَ مَقَادِيرَ الْخَلْقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ ، وَعَلِمَ أَنَّ قَوْمًا صَائِرُونَ إِلَى الشَّقَاءِ وَقَوْمًا صَائِرُونَ إِلَى السَّعَادَةِ ، فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ .

وَأَقَامَ الْحُجَّةَ عَلَى الْجَمِيعِ بِبَعْثِ الرُّسُلِ وَتَأْيِيدِهِمْ بِالْمُعْجِزَاتِ الَّتِي لَا تَتْرُكُ فِي الْحَقِّ لَبْسًا ، فَقَامَتْ عَلَيْهِمْ حُجَّةُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ بِذَلِكَ .

ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى وَفَّقَ مَنْ شَاءَ تَوْفِيقَهُ ، وَلَمْ يُوَفِّقْ مَنْ سَبَقَ لَهُمْ فِي عِلْمِهِ الشَّقَاءُ الْأَزَلِيُّ ، وَخَلَقَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قُدْرَةً وَإِرَادَةً يَقْدِرُ بِهَا عَلَى تَحْصِيلِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ ، وَصَرَفَ قُدْرَتَهُمْ وَإِرَادَاتِهِمْ بِقُدْرَتِهِ وَإِرَادَتِهِ إِلَى مَا سَبَقَ لَهُمْ فِي عِلْمِهِ مِنْ أَعْمَالِ الْخَيْرِ الْمُسْتَوْجِبَةِ لِلسَّعَادَةِ ، وَأَعْمَالِ الشَّرِّ الْمُسْتَوْجِبَةِ لِلشَّقَاءِ .فَأَتَوْا كُلَّ مَا أَتَوْا وَفَعَلُوا كُلَّ مَا فَعَلُوا ، طَائِعِينَ مُخْتَارِينَ ، غَيْرَ مَجْبُورِينَ وَلَا مَقْهُورِينَ:[وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ رَبُّ العَالَمِينَ]{التَّكوير:29} , وقال تعالى:[قُلْ فَللهِ الحُجَّةُ البَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ]{الأنعام:149} .

وبالله التوفيق والحمد لله رب العالمين

كتبه

أبي عبدالرحمن عبدالله بن صالح العبيلان

1434/5/1هـ